الشريف الرضي
151
حقائق التأويل في متشابه التنزيل
فقوله سبحانه : ( وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها ) يكون المراد به في الجملة الاستسلام الذي هو الانقياد والخضوع والذل والخشوع ، إذ هم منقادون لامره ، غير ممتنعين من تدبيره ، وما يحدثه تعالى فيهم من القبح والدمامة ( 1 ) والجمال والوسامة ، والمصاح والأسقام واللذات والآلام ، ثم ينقسم هذا الاستسلام منهم : فمنه ما يكون طوعا ، ومنه ما يكون كرها ، فالطوع مثل خلقه سبحانه الانسان وسيما جميلا ومكثرا غنيا ، فهو محب لتلك الحال غير كاره لها ، والكره مثل خلقه تعالى الانسان قبيحا دميما [ 2 ] ومقلا معدما ، فهو يكره ما هو عليه ويحب الانتقال عنه ، وكلا الفريقين قد أسلم لله خاضعا ، وذل لتدبيره ضارعا ، وذلك اسلام اضطرار لا اختيار ، وإن كان هذا الاسلام يختلف مواقعه منهم على ما ذكرناه : فبعضه يصدر عن رضا ومحبة ، وبعضه يصدر عن إباء وكراهة . 2 - وقال بعضهم [ 3 ] : ( وله أسلم من في السماوات والأرض ) جائز أن يوقع الخبر على الكل والمعنى واقع على البعض كقوله تعالى : ( الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم . . . ) ( 4 ) وإنما يريد تعالى : بعض الناس ، على قول من قال : إن المراد بذلك نعيم بن مسعود الأشجعي ، لأنه كان المخبر لرسول الله صلى الله عليه وآله بتألب
--> ( 1 ) وفي النسخ : ( الذمامة ) والمرجح ما أثبتناه . ( 2 ) وفي النسخ : ( ذميما ) والمرجح ما أثبتناه . ( 3 ) هذا الجواب لا يدفع شبهة المسألة فأن الاسلام كرها حتى من شخص واحد لا يتفق مع قوله تعالى : ( لا اكراه في الدين ) ( 4 ) آل عمران : 173 .